المتداول الذي ربح من الانهيار: غريغ ليبمان والرهان ضد فقاعة العقارات

تُعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 واحدة من أكبر الصدمات الاقتصادية في التاريخ الحديث. فبينما فقد ملايين الأشخاص وظائفهم ومنازلهم ومدخراتهم، تمكنت مجموعة صغيرة من المستثمرين في وول ستريت من تحقيق أرباح ضخمة من الانهيار الوشيك. ومن أبرز هذه الأسماء المتداول غريغ ليبمان، الرجل الذي اكتشف مبكرًا نقاط الضعف في سوق الرهن العقاري الأمريكي وراهن بمليارات الدولارات على انهياره.

أصبحت قصته لاحقًا جزءًا من كتاب The Big Short للصحفي مايكل لويس، كما ألهمت شخصية جاريد فينيت في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه.

عندما كان الجميع يعتقد أن سوق العقارات لا يمكن أن ينهار

في بداية الألفية الجديدة، سادت موجة من التفاؤل في الولايات المتحدة بشأن سوق العقارات. بدأت البنوك بمنح قروض عقارية لعدد متزايد من العملاء، بما في ذلك المقترضون ذوو الملاءة الائتمانية الضعيفة.

هذه القروض، المعروفة باسم قروض subprime، كانت تُجمع في منتجات مالية معقدة ثم تُباع للمستثمرين في جميع أنحاء العالم.

بالنسبة لمعظم السوق، بدت هذه الأوراق المالية استثمارات جذابة. فقد منحت وكالات التصنيف الائتماني لهذه المنتجات تقييمات مرتفعة، كما قدمتها البنوك باعتبارها وسيلة آمنة نسبيًا لتحقيق العائد.

لكن غريغ ليبمان، الذي كان يعمل آنذاك متداولًا في Deutsche Bank، بدأ منذ عام 2005 التحذير من أن النظام بأكمله يقوم على أسس هشة للغاية. ووفقًا له، كانت العديد من القروض العقارية تُمنح لأشخاص لا يستطيعون في الواقع سدادها.

وكان يكرر للمستثمرين في ذلك الوقت:
“هذه السندات كارثة.”

الرهان ضد السوق

قرر ليبمان التحرك. فبدأ باستخدام أدوات مالية تُعرف باسم Credit Default Swaps (CDS)، وهي مشتقات مالية تعمل بطريقة مشابهة للتأمين ضد تعثر أو إفلاس السندات.

إذا انهارت قيمة الأوراق المالية المرتبطة بالرهن العقاري، فإن المستثمر الذي يمتلك هذه العقود يمكنه تحقيق أرباح كبيرة.

وبمعنى عملي، كان ليبمان يراهن على انهيار سوق الرهن العقاري الأمريكي.

في ذلك الوقت اعتُبرت استراتيجيته متطرفة في وول ستريت. فقد كان سوق العقارات يُنظر إليه على أنه أحد أكثر ركائز الاقتصاد الأمريكي استقرارًا.

ولم يكتفِ ليبمان بفتح مراكز استثمارية لنفسه، بل ساعد أيضًا صناديق التحوط ومستثمرين آخرين على تنفيذ رهانات مشابهة ضد سندات الرهن العقاري.

انهيار غيّر العالم المالي

في عامي 2007 و2008 تحولت المؤشرات الأولى للمشكلات إلى أزمة مالية كاملة. فقد توقفت أعداد متزايدة من الأسر الأمريكية عن سداد قروضها العقارية، وبدأت قيمة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري في الانخفاض بسرعة.

تكبدت البنوك حول العالم خسائر هائلة، وانهارت بعض المؤسسات المالية الكبرى، مثل Lehman Brothers.

أما بالنسبة للمستثمرين الذين راهنوا على انخفاض السوق، فقد كانت تلك الفترة مربحة للغاية. وتشير التقارير إلى أن استراتيجية غريغ ليبمان حققت أرباحًا تقارب ملياري دولار لصالح Deutsche Bank.

وأصبح نهجه رمزًا لما يُعرف باستراتيجية البيع على المكشوف للفقاعات المالية، أي تحقيق الأرباح من انخفاض أسعار الأصول.

مصدر إلهام لكتاب وفيلم The Big Short

لفتت قصة ليبمان انتباه الصحفي مايكل لويس، الذي وصفها في كتابه The Big Short. ويتناول الكتاب مجموعة من المستثمرين الذين تمكنوا من اكتشاف نقاط ضعف النظام المالي قبل اندلاع الأزمة.

وفيما بعد تم تحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي. وقد استُلهمت شخصية المتداول Jared Vennett، التي جسدها الممثل ريان غوسلينغ، جزئيًا من شخصية ليبمان.

كما كشف الكتاب والفيلم مدى تعقيد وعدم شفافية نظام المشتقات العقارية الذي نشأ في السنوات التي سبقت الأزمة.

ماذا فعل بعد الأزمة

بعد الأزمة المالية غادر ليبمان Deutsche Bank وأسّس صندوق الاستثمار الخاص به LibreMax Capital، الذي يركز على التداول في أدوات الائتمان والمنتجات المالية المهيكلة.

ولا يزال حتى اليوم يتمتع بسمعة قوية في الأسواق المالية كمستثمر قادر على اكتشاف المخاطر النظامية في مرحلة مبكرة نسبيًا.

وفي مقابلات خلال السنوات الأخيرة، حذر أيضًا من أن فقاعات مالية مشابهة قد تظهر مرة أخرى في الأسواق.

درس للمستثمرين

تُظهر قصة غريغ ليبمان مدى أهمية القدرة على التفكير بعكس الاتجاه السائد في الأسواق المالية. ففي الوقت الذي كان معظم المستثمرين يؤمنون بالنمو غير المحدود لسوق العقارات، تمكن هو من اكتشاف نقاط الضعف البنيوية في النظام.

وفي الوقت نفسه، تذكّرنا هذه القصة بأن المنتجات المالية المعقدة قد تخفي مخاطر كبيرة، وأن انهيارها يمكن أن يؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله.

لذلك تبقى الأزمة المالية لعام 2008 واحدة من أهم الدروس في تاريخ الاستثمار الحديث. أما غريغ ليبمان، فيبقى واحدًا من المستثمرين الذين لم يتنبؤوا بالأزمة فحسب، بل تمكنوا أيضًا من تحقيق أرباح ضخمة منها.

author avatar
EditorialTeam
فريق التحرير في Trader-Magazine.com هو مجموعة من المحللين الماليين المعتمدين، والمتداولين النشطين، وخبراء العملات المشفرة. مهمتنا هي تحويل بيانات السوق المعقدة (الفوركس، الأسهم، المؤشرات) إلى تعليم مالي ميسر. يخضع جميع المحتويات لعمليات تدقيق صارمة متعددة المستويات لضمان تقديم معلومات دقيقة وموضوعية لقرارات التداول والاستثمار الخاصة بك.

مراجعة موقع التداول: .Golden Brokers

مرحبا بكم في هذه السلسلة الخاصة بمراجعة مواقع التداول....

مسؤول أمريكي يحذر: التغير المناخي يشكل خطرا كبيرا على الأسواق المالية.

واشنطن — مسؤول أمريكي رفيع المستوى يحاول جاهدا تسليط...

مراجعة شركة الخليج للوساطة المالية المحدودة [محدث 2022]

Gulf Brokers Ltd. هي وسيط عبر الإنترنت يعرض التداول...

تشير التهديدات النووية الإيرانية إلى انحراف كبير عن الصفقة النووية

بعد عام من انسحاب إدارة ترامب من الصفقة النووية...

وحدة الحساب: المفهوم الخفي الذي بدونه ستنهار الأسعار والاقتصاد

على بطاقات الأسعار في المتاجر، وفي كشوف الرواتب، وفي...

فوربس: مالك CE Industries Strnad سيضع جزءا من الشركات في صندوق استثماري

سيضع مالك مجموعتي CE Industries و Helicopter Alliance جاروسلاف...

كم يكسب إيلون ماسك يوميًا؟ الحقيقة صادمة ومختلفة تمامًا عما تعتقد

كم يكسب إيلون ماسك يوميًا؟ الأرقام التي تنتشر على...

مراجعة Coinomi: هل هذه المحفظة آمنة أم بدأت تتأخر؟

تُعد Coinomi واحدة من أقدم محافظ العملات الرقمية في...

crypto4me: خدمة تشفير منظمة تجلب شراء العملات المشفرة بسهولة ضمن ترخيص أوروبي

crypto4me – يمر سوق العملات المشفرة الأوروبي بتحول كبير...

ما هي التقلبات ولماذا تحدد أرباحك

تُعدّ التقلبات من أكثر المفاهيم تداولًا في عالم الاستثمار،...

تنويع المحفظة: كيف تقلل المخاطر وتزيد العائد

غالبًا ما يُقدَّم تنويع المحفظة كقاعدة أساسية للمبتدئين. لكن...
spot_img

spot_imgspot_img