اللغز الذي حيّر عالم العملات الرقمية لأكثر من خمسة عشر عامًا يعود إلى الواجهة من جديد. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقًا خاصًا تشير فيه إلى أن الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو قد يخفي وراءه عالم التشفير البريطاني آدم باك. إلا أن باك ينفي هذه المزاعم منذ فترة طويلة — وكرر نفيه حتى بعد نشر المقال.
من يقف وراء البيتكوين
يُعد البيتكوين أشهر وأكثر العملات الرقمية استخدامًا في العالم، ومع ذلك لا تزال هوية مبتكره الحقيقية مجهولة. منذ إطلاقه في 3 يناير 2009، يعمل كنظام لامركزي دون سلطة مركزية تتحكم في المعروض النقدي أو تراقب المعاملات. هذه الفكرة تشكل جوهر فلسفته — فلا ينبغي لأي جهة، سواء كانت حكومات أو حتى المؤسس نفسه، أن تكون قادرة على التحكم في العملة أو فرض الرقابة عليها أو التأثير في قيمتها.
يقف وراء البيتكوين مطور مجهول أو مجموعة من المطورين يستخدمون الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو. في أكتوبر 2008، نشر ناكاموتو ورقة بعنوان “نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير”، شرح فيها فكرة العملة الرقمية اللامركزية. وبعد ذلك بعامين، في عام 2011، اختفى من المشهد العام ولم يظهر منذ ذلك الحين.
الأدلة تشير إلى عالم تشفير بريطاني
بحسب تحقيق نيويورك تايمز، قد يكون آدم باك هو الشخص الذي يقف وراء هذا الاسم المستعار. تستند الصحيفة في استنتاجها إلى مزيج من الوثائق التاريخية، وتحليل أسلوب الكتابة، والخبرة التقنية.
كان باك جزءًا من مجتمع “السيبر بانك” (cypherpunk)، الذي دافع منذ أوائل التسعينيات عن حماية الخصوصية باستخدام التشفير. وكما هو الحال مع ساتوشي ناكاموتو، كان متخصصًا في التشفير غير المتماثل وأمن الشبكات. كما اهتم كلاهما بمشكلة الرسائل المزعجة عبر البريد الإلكتروني وطرحا حلولًا متشابهة للحد منها.
وتُعد المراسلات الإلكترونية من أواخر التسعينيات عنصرًا مهمًا في هذا السياق، حيث ناقش باك فكرة إنشاء نظام نقد إلكتروني مستقل عن الحكومات. وقد اقترح شبكة لامركزية من العقد يمكنها العمل حتى في حال محاولة السيطرة عليها — وهو المبدأ الذي أصبح لاحقًا حجر الأساس في تصميم البيتكوين.
نمط سلوك وتوقيت متشابه
يشير التحقيق أيضًا إلى تزامنات زمنية مثيرة للاهتمام. فقد عمل ساتوشي ناكاموتو على تطوير البيتكوين لمدة تقارب عامين ونصف قبل أن يختفي في عام 2011. في المقابل، كان آدم باك نشطًا لسنوات في نقاشات حول الأموال الرقمية ضمن مجتمع السيبر بانك، لكنه بدا غير نشط بشكل ملحوظ عند إطلاق البيتكوين في عام 2008.
وبعد اختفاء ناكاموتو بفترة قصيرة، عاد باك إلى الظهور وبدأ بنشر مساهماته حول البيتكوين. ويرى معدّو التحقيق أن هذا “النمط العكسي” يشكل دليلًا غير مباشر إضافيًا.
باك ينفي الاتهامات
نفى آدم باك مرارًا أي صلة له بساتوشي ناكاموتو. وفي ردّه على أسئلة مباشرة من هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وكذلك بعد نشر تحقيق نيويورك تايمز، أكد أنه ليس مبتكر البيتكوين. وكان قد عبّر عن موقف مشابه في عام 2024، عندما كتب على منصة X أن لا أحد يعرف هوية ساتوشي — وربما يكون ذلك أمرًا إيجابيًا. وعندما طُلب منه الاعتراف، أجاب ببساطة: “لست أنا.”
ومن اللافت أن باك كان من أوائل الأشخاص الذين تلقوا رسالة بريد إلكتروني من ساتوشي ناكاموتو. وفي عام 2016، أشارت صحيفة فاينانشال تايمز أيضًا إلى احتمال كونه المؤلف، إلى جانب أسماء أخرى مثل نيك زابو وهال فيني.
هوية قد لا تُكشف أبدًا
رغم هذه الأدلة الجديدة، لا تزال هوية مبتكر البيتكوين غير معروفة. ففي الماضي، ادّعى رجل الأعمال الأسترالي كريغ رايت أنه ساتوشي ناكاموتو، لكنه لم يقدم أي دليل حاسم. وعندما وصفه باك بأنه ليس ناكاموتو الحقيقي، وصل النزاع إلى المحكمة — قبل أن يسحب رايت دعواه ويتحمل التكاليف القانونية.
وهكذا، تصبح قضية آدم باك فصلًا جديدًا في سلسلة طويلة من التكهنات. ورغم أن تحقيق نيويورك تايمز يضيف معطيات جديدة، فإن الإجابة النهائية لا تزال غائبة. وربما لهذا السبب يرى جزء من مجتمع العملات الرقمية أن غموض هوية ساتوشي ناكاموتو ليس نقطة ضعف، بل أحد أعمدة قوة النظام بأكمله.











