تزايدت قتامة آفاق الاقتصاد العالمي خلال الأيام الأخيرة. فقد أعادت escalation الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى الواجهة سيناريو كان المستثمرون يعتبرونه لفترة طويلة مجرد ذكرى تاريخية أكثر من كونه خطراً حقيقياً: الركود التضخمي. إن مزيج التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف، الذي أصاب الاقتصاد العالمي بالشلل في سبعينيات القرن الماضي، يعود اليوم إلى الواجهة مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وتصاعد عدم اليقين الجيوسياسي.
تفاقم الوضع بعد أن أغلقت إيران عملياً مضيق هرمز، وهو ممر بحري رئيسي يمر عبره نحو 20٪ من إمدادات النفط العالمية. ومع ظهور تقارير عن اضطراب تدفقات الطاقة، بدأ الاقتصاديون يحذرون من العواقب المحتملة على التضخم والنمو الاقتصادي والأسواق المالية.
قال سال غواتييري، كبير الاقتصاديين في BMO Capital Markets:
«يواجه الاقتصاد الأمريكي الآن صدمة ثانية تشبه الركود التضخمي خلال عام واحد».
ووفقاً له، يمكن للحرب أن تزيد التضخم، وتعطل سلاسل إمدادات الطاقة، وتضعف ثقة المستثمرين والشركات.
ما هو الركود التضخمي ولماذا يعد خطيراً على الاقتصاد
يشير مصطلح الركود التضخمي إلى وضع يواجه فيه الاقتصاد في الوقت نفسه تضخماً مرتفعاً ونمواً اقتصادياً راكداً، وغالباً أيضاً ارتفاعاً في معدلات البطالة. وتُعد هذه التركيبة تحدياً كبيراً لصانعي السياسات الاقتصادية.
في الظروف العادية، تستجيب البنوك المركزية للتضخم المرتفع برفع أسعار الفائدة من أجل تهدئة الطلب. لكن إذا كان الاقتصاد ضعيفاً وسوق العمل يتباطأ، فإن رفع أسعار الفائدة قد يزيد من عمق الركود الاقتصادي.
وقد هيمنت هذه المعضلات على السياسات الاقتصادية في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدت صدمات النفط الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. ووصل التضخم في بعض الدول آنذاك إلى مستويات من رقمين، في حين دخلت الاقتصادات في حالة ركود.
ويرى بعض الاقتصاديين أن الوضع الحالي يذكّر بتلك الفترة التاريخية.
النفط كمحفّز لصدمة اقتصادية
تُعد أسواق الطاقة شديدة الحساسية للصراعات الجيوسياسية. فعندما يظهر خطر تعطل الإمدادات، ترتفع أسعار النفط عادة بشكل حاد.
ولهذا الأمر تأثير سريع على الاقتصاد بأكمله.
فالنفط لا يؤثر فقط على أسعار الوقود، بل أيضاً على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات اللوجستية. ولذلك تنتقل أسعار الطاقة المرتفعة تدريجياً إلى التضخم العام في الاقتصاد.
ويتوقع محللو Pantheon Macroeconomics أن يرتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة من نحو 3 دولارات إلى 4 دولارات للغالون.
وقال صمويل تومبس، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في الشركة:
«سيدفع السائقون قريباً أربعة دولارات مقابل غالون البنزين، مما سيخفض دخلهم الحقيقي المتاح للإنفاق».
ولا تؤثر أسعار الطاقة المرتفعة على المستهلكين فقط. فارتفاع التكاليف قد يبطئ استثمارات الشركات ويقلل الطلب في الاقتصاد بأكمله.
الاحتياطي الفيدرالي قد يواجه معضلة صعبة
قد يزيد خطر الركود التضخمي من تعقيد قرارات البنك المركزي الأمريكي. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي لديه تفويض مزدوج: الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق مستويات منخفضة من البطالة.
إذا ارتفع التضخم مجدداً بسبب صدمة الطاقة، فمن المفترض نظرياً أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة. لكن إذا بدأ الاقتصاد وسوق العمل في التباطؤ في الوقت نفسه، فقد يصبح من الضروري خفض أسعار الفائدة لدعم النمو.
وترى المحللة دانييلا هاثورن من Capital.com أن الخلافات داخل الاحتياطي الفيدرالي قد تتعمق.
وقالت:
«قد يجادل البعض بضرورة دعم سوق العمل المتراجع، بينما سيحذر آخرون من تكرار أخطاء الماضي من خلال تخفيف السياسة النقدية في وقت مبكر جداً».
وقد تكون النتيجة احتياطياً فيدرالياً منقسماً وتقلبات أعلى في الأسواق.
لماذا قد لا يتكرر سيناريو السبعينيات
على الرغم من وجود أوجه تشابه مع الماضي، يشير العديد من الاقتصاديين إلى اختلافات جوهرية.
فبحسب محللي Deutsche Bank، أصبحت الولايات المتحدة اليوم منتجاً مهماً للنفط، مما يقلل اعتمادها على الواردات. وهذا يعني أن صدمة الطاقة قد لا تكون قوية كما كانت خلال أزمات النفط قبل خمسين عاماً.
كما تختلف توقعات التضخم. فالمستهلكون اليوم يتوقعون عموماً أن يبقى التضخم منخفضاً نسبياً على المدى الطويل، ما يقلل خطر ما يسمى بالدوامة بين الأجور والأسعار التي ساهمت في استمرار التضخم في السبعينيات.
وقال جيم ريد، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية الكلية العالمية في Deutsche Bank:
«يعتمد ما إذا كان التاريخ سيعيد نفسه بشكل أساسي على مدة استمرار الصراع».
ما الذي تراقبه الأسواق المالية
حتى الآن، لا تتوقع الأسواق المالية حدوث صدمة طاقة طويلة الأمد. وتشير العقود الآجلة إلى أن سعر النفط قد يبلغ نحو 75 دولاراً للبرميل خلال 12 شهراً، وهو ما يعكس توقعات بتهدئة نسبية للوضع.
ولذلك لم يقم محللو Oxford Economics حتى الآن بتعديل توقعاتهم الاقتصادية الكلية بشكل كبير.
ووفقاً لكبير المحللين جون كانافان، فإن التأثير على الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي والتضخم يجب أن يبقى محدوداً نسبياً إذا ظل الصراع قصير الأمد ومحدود النطاق. وفي مثل هذا السيناريو، قد يعود مؤشر S&P 500 إلى الارتفاع بعد انتهاء الصراع.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للتطورات المقبلة
يعتمد مسار الاقتصاد العالمي الآن بشكل أساسي على مدة الصراع وحدته.
1. تهدئة سريعة للوضع
إذا انتهت العمليات العسكرية بسرعة، فمن المرجح أن تنخفض أسعار النفط وأن يكون التأثير الاقتصادي محدوداً. وقد أشار الرئيس دونالد ترامب إلى توقعه لمثل هذا السيناريو عندما قال إن ارتفاع أسعار النفط هو «ثمن صغير مقابل إزالة التهديد النووي الإيراني».
2. صدمة طاقة طويلة الأمد
إذا استمرت اضطرابات إمدادات النفط، فقد يتسارع التضخم مرة أخرى. وسيزيد ذلك الضغط على البنوك المركزية وقد يبطئ النمو الاقتصادي العالمي.
3. تصعيد جيوسياسي
السيناريو الأكثر خطورة سيكون اندلاع حرب إقليمية أوسع تهدد إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط بأكمله. وفي هذه الحالة قد ترتفع أسعار النفط وعوائد السندات وتقلبات أسواق الأسهم بشكل حاد.
المصادر
https://finance.yahoo.com/news/mideast-war-risks-sending-global-165936639.html
https://www.cfodive.com/news/surging-oil-price-spurs-worries-stagflation-lengthy-iran-war-Fed-Federal-Reserve/814236/
https://www.theguardian.com/us-news/2026/mar/09/california-gas-prices-iran-war
https://www.reuters.com/business/energy/consequences-global-oil-markets-could-be-catastrophic-if-hormuz-closure-2026-03-10/










